الغزالي
32
إحياء علوم الدين
بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية . ودخل رجل عليه يوما فقال : إن في سقف بيتك جذعا مكسورا . فقال : يا ابن أخي ، إن لي في البيت منذ عشرين سنة ما نظرت إلى السقف . وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام وقال محمد بن عبد العزيز : جلسنا إلى أحمد بن رزين من غدوة إلى العصر ، فما التفت يمنة ولا يسرة ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن الله عز وجل خلق العينين لينظر بهما العبد إلى عظمة الله تعالى . فكل من نظر بغير اعتبار كتبت عليه خطيئة . وقالت امرأة مسروق : ما كان يوجد مسروق إلا وساقاه منتفختان من طول الصلاة . وقالت : والله إن كنت لأجلس خلفه فأبكى رحمة له وقال أبو الدرداء : لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا : الظمأ لله بالهواجر ، والسجود لله في جوف الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر . وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ، ويصوم في الحر ، حتى يخضر جسده ويصفر ، فكان علقمة بن قيس يقول له : لم تعذب نفسك ؟ فيقول كرامتها أريد . وكان يصوم حتى يخضر جسده ، ويصلى حتى يسقط . فدخل عليه أنس بن مالك والحسن ، فقالا له : إن الله عز وجل لم يأمرك بكل هذا . فقال إنما أنا عبد مملوك ، لا أدع من الاستكانة شيئا إلا جئت به . وكان بعض المجتهدين يصلى كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه ، فكان يصلى جالسا ألف ركعة ، فإذا صلى العصر احتبى ثم قال : عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا منك ! عجبت للخليقة كيف أنست بسواك ! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك وكان ثابت البناني قد حببت إليه الصلاة ، فكان يقول : اللهم إن كنت أذنت لأحد أن يصلى لك في قبره فأذن لي أن أصلي في قبري . وقال الجنيد : ما رأيت أعبد من السري ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت . وقال الحارث بن سعد : مرّ قوم براهب ، فرأوا ما يصنع بنفسه من شدة اجتهاده ، فكلموه في ذلك فقال : وما هذا عندما يراد بالخلق من ملاقاة الأهوال وهم غافلون ! قد اعتكفوا على حظوظ أنفسهم ، ونسوا حظهم الأكبر من ربهم . فبكى القوم عن آخرهم